ابن قيم الجوزية
119
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
يقصد إلى هذا المعنى ولا هو مما يعتني بهم من نعيمهم ولذتهم وإنما هو كلام مبين خارج على المعتاد المفهوم من الطيب ومعناه أنه يشبه بعضه بعضا ليس أوله خيرا من آخره ولا هو مما يعرض له ما يعرض لثمار الدنيا عند تقادم الشجر وكبرها من نقصان حملها وصغر ثمرها وغير ذلك بل أوله مثل آخره ، وآخره مثل أوله وهو خيار كله يشبه بعضه بعضا فهذا وجه قولهم ولا يلزم مخالفة ما نصه اللّه سبحانه وتعالى ولا نسبة أهل الجنة إلى الكذب بوجه ، والذي يلزمهم من التخصيص يلزمك نظيره وأكثر منه واللّه أعلم ، وأما قوله عز وجل : وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً قال الحسن خيار كله لا رذل ألم تروا إلى ثمر الدنيا كيف تسترذلون بعضه وأن ذلك ليس فيه رذل وقال قتادة : خيار لا رذل فيه فأن ثمار الدنيا ينقى منها ويرذل منها وكذلك قال ابن جريج وجماعة ، وعلى هذا فالمراد بالتشابه التوافق والتماثل . وقالت طائفة أخرى منهم ابن مسعود وابن عباس وناس من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم متشابها في اللون والمرأى وليس يشبه الطعم قال مجاهد متشابها لونه مختلفا طعمه وكذا قال الربيع بن أنس وقال يحيى بن أبي كثير « عشب الجنة الزعفران وكثبانها المسك ويطوف عليهم الولدان بالفاكهة فيأكلونها ثم يأتونهم بمثلها فيقولون هذا الذي جئتمونا به آنفا ، فيقول لهم الخدم كلوا فإن اللون واحد والطعم مختلف ، فهو قوله عز وجل كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها » وقالت طائفة وناس معنى الآية أن يشبه ثمر الدنيا غير أن ثمر الجنة أفضل وأطيب قال ابن وهب قال عبد الرحمن ابن زيد يعرفون أسماءه كما كانوا في الدنيا التفاح بالتفاح والرمان بالرمان قالوا في الجنة هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها يعرفونه وليس هو مثله في الطعم واختار ابن جرير هذا القول قال ودليلنا على فساد قول من قال أن معنى الآية هذا الذي رزقنا من قبل أي في الجنة وتلك الدلالة على فساد ذلك القول هي الدلالة على فساد قول من خالف قولنا في تأويل قوله وأتوا به متشابها أن اللّه سبحانه وتعالى أخبر عن المعنى الذي من أجله قال القوم هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها « قلت » وهذا لا يدل على فساد قولهم لما تقدم وقال : جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ وقال تعالى يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ وهذا يدل على أمنهم من انقطاعها ومضرتها وقال تعالى وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ وقال تعالى وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ أي لا تكون في